الغربة / اثبات الذات ... من ينتصر؟
الا ابنتي ، ابني ... وكل من تختاره الغربة ولايختارها ...فتحمله ظروف قاهرة
بهذا الوصف او ذاك ، حاقت به في موطنه ، وما وجد عنده فكاكاً منها، على دخول عالمها الموحش لتلفه دوامة الأسئلة المؤجلة الاجابات ، ادعوك بود ان تمنحني بصع دقائق كي اتحدث اليك بعيداً عن صخب التوتر ، قريباً من حيادية وعيك ، لأضع بين يديك خلاصة تجربتي الخاصة وما اطلعت عليه من تجارب الاخرين حول موضوعة الغربة وكيفية مواجهة اثارها السلبية على استقرار المغترب و سلامه الداخلي وتحويلها الى عامل دافع له لتأكيد واثبات ذاته
ان قسوة الغربة وسلبياتها لا تَخفى على من جربها، ومرارة الوحدة والاغتراب والبعد عن الوطن لا تحتاج إلى كثير من الشرح والتفصيل، فانا هنا لا اريد إثبات العكس \
، أو محاولة تزيين الغربة اوتجميلها بالوان الحروف الزائفة ، ولكن هي محاولة لنفض الغبار عن الوجه الآخر للغربة، وجه ربما اعتبره البعض من ملامح قسوتها، وغيرهم اعتبروه نتيجةً حتميةً لها، وقد يعتبره غيرهم من إيجابياتها وحسناتها، وأيًا كان فهو وجه لا يمكن إنكاره أو التنصل له.
إيجابيات الغربة :
الغربة على الرغم من آلامها، وبالرغم مما تسلٌبك إياه من عمرٍ وطاقةٍ نفسية وذكرياتٍ جميلة وأناس تحبهم، هي أيضًا تمنحك أكثر مما قد تتصور؛ فالغربة مدرسة من مدارس الحياة المتعددة، قد تكون مدرسة قاسية في ضوابطها صارمة في معاييرها ،
غير متسامحة عند غفلتك ،سريعة الى محاسبتك اذا تجاهلت اوامرها ا، لكنها تصنع منك إنسانًا مختلفًا، صلبًا قويًا بما يكفى لتحمل مشقات الحياة وصعابها، بل وصدماتها، ففي موطنك حتمًا، ستجد من يساندك في أزماتك، ويقوي ظهرك في تحدياتك وملماتك، ستجد حتمًا من يحنو عليك، ويستمع إلى شكواك، ويواسيك ويتفقدك.
وعلى طرف النقيض، فلن تجد في الغربة كل هذا، وقد تمر بأزمة تلو الأخرى، لكن الواقع يفرض عليك أن تظل واقفًا، وأن تظل قويًا بما يكفى لتواجه مشكلاتك وأزماتك وتتجاوزها، دون أن تنكسر، غير مسموحٍ أصلًا أن تنكسر؛ لأنك بسهولة أنت وحدك الآن، وانكسارك قد يعني انهزامك، فالخيار الوحيد في الغربة هو أن تتجاوز أزماتك، وتنطلق مرة أخرى لاستكمال حياتك، فالغربة مثل محرقة الذهب تنقيه تمامًا حتى يزداد بريقًا ونقاءً وصلابة.
وفى الغربة أنت مطالب بالاعتماد الكامل على نفسك في جميع شؤونك، فلن يكون بجوارك أهل أو أقارب يتحملون معك جزءًا من أعباء الحياة ومهماتها، لذا ستجد نفسك مع الوقت قد اعتدت على تسيير جميع أمور حياتك دون انتظار دعم من قريبٍ أو مساندةٍ من صديق، سوف تعتمد على نفسك كليًا لدرجة قد تبهرك أنت شخصيًا؛ إذا توقفت قليلًا للتفكير والنظر إلى سابق عهدك.
وفي الغربة ستجد لديك مساحة كافية من الوقت لتقف مع نفسك وتفكر، ربما ستجعلك تعتاد الوحدة، لكن في وحدتك سوف تعيد تقييم نفسك وحياتك، وربما تعيد هيكلتها من جديد، قد تستطيع ممارسة هوايتك المفضلة، أو مطالعة صورك القديمة، أو التقليب في أوراق ذكرياتك ربما، وستجد نفسك مضطرًا لأن تحتسي قهوتك وحدك، وستعتاد ذلك، وتستمتع به، وعلى كل حال سوف تتيح لك الغربة الفرصة للتصالح مع نفسك، ورؤيتها بمنظور جديد، وبمساحة كافية من الوقت لإصلاحها، وإعادة صياغة طموحاتك وأهدافك.
وفي الغربة سوف تنظر لأهلك وأصدقائك بشكلٍ مختلف، وستشعر بأنك تحبهم أكثر مما كنت تتصور، وأن ساعةً واحدةً من الجلوس والحديث معهم تُعد بالنسبة لك كنزًا ثمينًا، سوف تشعر بأن أي خلافٍ كان بينك وبين أحدٍ منهم قد بات لا قيمة له؛ إذ أنت الآن في غربتك بعيدًا عنهم، وستجد نفسك مدفوعًا لأن تُسامح أيًا منهم على إساءةٍ قد يكون وجهها لك يومًا ما؛ لأنك بسهولة سوف تشعر أنه لا شيء يستحق الخلاف أمام الاغتراب والبعد، لذا ستجد لديك طاقة نفسية أكبر على التسامح.
وفي الغربة سوف تجد الوقت الكافي للاقتراب من أولادك وعائلتك الصغيرة: تقضى معهم إجازتك الأسبوعية، وتلتقون بانتظام على مائدة الطعام، وتتشاركون الكثير من لحظات الحياة معًا، فستصبح عائلتك الصغيرة هي البديل عن الاهل ، عن الأصدقاء والأقارب؛ لذا فالغربة تقرِّبك كثيرًا بين أفراد عائلتك الصغيرة، وتتيح لك
مزيدًا من الوقت للاهتمام بهم لاسيما الاطفال والعناية ببناء شخصياتهم، و انتقاء الأنشطة التي تملأ أوقاتهم، وكن متابعا لهم وهم يمارسونها، وسوف تجد لديك من القوة النفسية ما يكفى لاتخاذ قرارات خاصة بأسلوب تربيتهم قد تعجز عن اتخاذها وانت في موطنك الأصلي؛ مثلاً
انك ستتحرر من بعض الموروثات التربوية في مجتمعك، والتي ماعادت تتناسب مع الأجيال الحالية ،وستجد ان الغربة هيأت الظرف المناسب لتغرس في عقولهم بعض القيم والافكار المنفتحة على الآخر وتثقيفهم على مبادئ المحبة وتقبل من يخالفهم بالقناعات طالما هناك اساس مشترك ، ، ستجد ان الغربة تحولت الى بيئة مثالية لأن تٌبدع في أساليب ووسائل تربية أبنائك، ولتصنع لنفسك النموذج الاب المثالي ( والحديث موصول لمن ستكون اماً مثالية ).
وفي الغربة سوف تكتشف بنفسك معادن هؤلاء الأوفياء الذين ما زالوا على عهد الصداقة القديم، بالرغم من بُعد المسافات وغياب السنين، ستجدهم من بين الكثيرين الذين عرفتهم ما زالوا يتفقدونك ويتذكرونك بين الحين والآخر، وستصطفى هؤلاء القلة ليكونوا هم رفاق العمر، وسوف تستمتع كثيرًا بذلك الشعور.ـ
قد تتفق معي فيما سبق أو تختلف؛ فأمور الحياة تخضع للتجارب الشخصية، ولكلٍ تجربته الخاصة، لكنها محاولة للتركيز على بعض إيجابيات الغربة؛ حتى لا نقع نحن وابناؤنا ضحايا لها ، و على أي حال، وسواء اتفقت معي أم اختلفت ـ عليك أن تصنع تجربتك بنفسك، ولا تستسلم في معركة اثبات ذاتك في غربتك وكن مؤمنا بانتصارك
-- باسم عبد الكريم الفضلي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق