من ذاكرة السنين .. وجع ولهفة
البارحة ...ذاك الدفء القادم من بعيد ..
أعيد قراءة التعليق بدهشة ...لم أكن بقادرة على استيعاب ماكتب ...لا شيء يدل عليه ...من هو ، أحسست فقط بأنه ...يعرفني ...بل ويعرفني جيدا تغافلت عن ما كان ببالي ...تابعت يومي ...كان علي متابعته رغم ما كان بي من حزن أزاله حضور صديقة وبعض من الزوار لمعرضي ...لكن ...مازالت كلماته تلمع أمام عيني كما لو كانت معلقة بخط واحد مابين كل مصباحين من مصابيح الطريق ....كانت كلماته مصرة على أن تومض وتوقظ بداخلي تساؤلا أخشى من إجابته .
الثانية عشر ليلا ...رسالة باللغة الإنكليزية...ليس من أصدقاء الصفحة ...لكنه الإسم الغربي ذاته ....أخذت بالقراءة ...ثمة من يقول أنه كان طالبي منذ ثلاث وعشرين عاما ...ذكر لي عن شيئا فقده وكيف أنني غضبت غضبت حينها من أجله ...وكيف كنت أحثه على استرداد ما هو حقه ...وكان السؤال الأول ...سأسألك عدة أسئلة لأرى إن كنت تذكرينني أنت لطالما كنت بالنسبة لي تلك الآلهة نموذجيا قدسيا فوق كل إحتمالات كنت ومازلت ولم تغيبي مطلقا عن بالي سأسألك عن أشياء إن كان من الممكن أن تذكريني بها إن لم تذكري ...لا عليك حينها سأبتعد وستبقين انت ذاتك كما كنت دائما تلك الآلهة والمثل الأعلى لي ....كنت شابا فتيا مراهق ربما ....كانت أجمل اوقاتي وأنت استاذتي ...الأحاديث ....حملتها معي ...القناعات ...الأفكار ...غرست بي الكثير والكثير ...التمرد الجميل ...الإندفاع ...الإيمان بالذات .. الثقة بالنفس ...
استمرت الكلمات بالتدفق ....توالت وجوه كثيرة على ذاكرتي ...لطالما كان أجمل مافي حياتي هي تلك العلاقة الرائعة التي كانت تنشأ بيني وبين طلابي .. كنت أدرس الكثيرين بشكل لمختلف الأعمار بالإضافة للرسم كنت ادرسهم الإفرنسية والانكليزية والعربية ....ربما كنت الأكثر حظا بوفرة طلابي ومحبتهم ...كيف لي أن اذكر من كان رغم هذا ....كان ثمة شعور قوي وغريب بأنني سأدركه سأتعرف على طالبي ...كنت بحال من الجذل فوق التصور .. ربما كنت أرى بكل واحد من طلابي ذاك الابن على مر السنين الطويلة كنت قد حظيت بقببلة من الأبناء بعلاقة تدريس غير تقليدية كانت تبنى على المحبة والثقة والإيمان بذواتهم قبل كل شيء حتى الرسم كنت اتجول معهم بالحدائق لنرسم بها او حتى الاسواق القديمة والجوامع والكنائس ....هو معهدي الصغير وقبائل طلابي وحقائب المحبة وسفر المعرفة ...طوال وقت قراءتي لرسالته كنت اتساءل أي منهم ...أي من ابنائي ...بكل الاحوال كنت اراهم هكذا .
مع هذا لا بد للحدس أن يكون له دوره ...لكن ...ثمة ما كان اقوى من الحدس .....هو الإحساس الداخلي ...كان ثمة عينان خضراوان حزينتان تغوصان بقلق غامض .. وصوت من بعيد لأنغام على الكيتار ...كانت الصورة تحضر كومضة خفيفة ...فقط عينان ...ولحن ....لم تكن حدود الوجه لتكتمل ....أتابع القراءة ويطالبني بتذكر أي شيء يخطر ببالي عن ذاك الطالب الذي لم يحدد لي هويته أسأله بدوري
حرف أول اراه هكذا ...يضحك أو يعلن عن ضحكاته وفرحه بتعابير أحسستها قريبة جدا من روحي ...اسأله :
-موسيقى ؟
_كيتار
_فن ؟
_لوحة
أذكرها
....اذكرها تماما ....ابكتني يومها ...واختفت من بعد هذا اليوم أخذتها والدة طالب آخر ...إنسانة غريبة لتدعي أنه كان رسم ابنها ...
تتجمع حدود وجهه ...خطوطه ....ونظراته التي لطالما كانت تتسمروتسمرني بفكرة واحدة ....مابه ؟
رغم الحزن ...رغم القلق ...ما استطعت يوما أن افهم سرها رغم قربه مني ورغم احتوائي له ....صامت أبدا ....كان يجيب ....بأن يشد إليه غيتاره ويأخذ بالعزف بعد انتهائه من الرسم ...
_.أتسأل إن كنت اذكرك ؟ ....بل اذكرك جيدا ...كنت الأثير لدي بما كانت عليه موهبتك ...
_ لماذا الآن ؟ هو أنت عرفتك طالبي المفضل لكن لماذا الآن ؟ ؟
_ لم أنس ...لا يمكن أن انسى اثرت جدا بشخصيتي بافكارك قبل أن أغادر لاوروبا منذ ثلاث وعشرين عاما ...أنت ...مثلي الأعلى ...
أضحك ...أفكر بأولادي .....اضحك ...بحزن ...بفرح
ربما مع من يوجدون بالوفاء والمحبة تتجدد ثقتنا بالحياة .
_ أأراك ؟ أاسمعك ؟
__ اراك اسمعك ...
لطالما كان كابن افخر بموهبته ....كنت متحمسة جدا كما هو
سأرى من اعتبرته حينها ابني الشاب ...
أنظر إليه أرى عينين تضحكان ....تضحكان برقة وحنو ودفء ....تمتد يدي إلى الشاشة ...تمتد يده نضحك ...بفرح ...بغير تصديق ...يدور بالغرفة ممسكا برأسه بين يديه يضحك ويضحك ويعيد التأمل بفرح كما أنا ...كما افعل بغير تصديق ...الملامح تغيرت كثيرا لكن تبقى نظرته التي اعرفها ترفض ان تغادر داخلي ...لا اراه إلا ذاك الفتى ...وصورته الحالية مغايرة لما كان ...لكنه طالبي ..ابني
أحد من قبيلة ابنائي الطلبة ابنائي الذين أحبهم كلهم
_لم تتغيري ...لم تتغيري ....
اضحك باستغراب : ثلاث وعشرون عاما ....أنت لن تتغير ستكون طالبي ابني ...لكن أنا تغيرت العمر ... الشكل كل شيء.
_ مطلقا ....مطلقا ...الآلهة التي أثق بها ..
أستاذتي .سأعزف لك كما من قبل ....ساعزف
انسابت ألحانه ...وانسكب معه دفء الماضي
_ كنت اسير في احد شوارع لندن اليوم ومررت بمنطقة فيها ما يشبه الفرنسيسكان ...حيث حضرت لك معرضا يومها بالصالة المجاورة ...اطلت علي صورتك بقوة ...تذكرت ما كنت تحدثينني به عن لندن اثناء رسمنا معا ...اذكر كل شيء ...وشعرت بالحنين إلى ...حلب ...إلى الرسم ....إليك
إلى استاذتي
سترسم ؟
_سأعزف ...اعزف هنا بلندن وأقوم بتأليف الموسيقى
يضحك ... التمرد الجميل ؟ اتذكرين ؟ حملت معي تمردي وعزفي ...وصورتك ...آمنت أنت بي ...أشكرك .
نضال سواس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق