نصوص شعرية
أين وحدة الوجود؟
شُعــاعُ الشـمسِ يأتي مِـــنْ بَعـيدٍ || يَـبُـثُّ الــــرّوحَ في قــمَــــرِ السَّماءِ
يُحَــــوِّلُـــهُ إلـى بَـــدْرٍ مُـــنـــيــرٍ || يُـبَـــدِّدُ نـــورُهُ حَــــلَــكَ الْـمَـــسـاءِ
كَـأَنَّ الشـــمـسَ أُمٌّ أرْضَــعَـــــتْـهُ || وَتُـرْضِــعُــهُ لِـيَــمْــكُـثَ في الـبَقـاءِ
فـكــيْـفَ نَقــولُ إنَّ الشّـمـسَ بَـدْرٌ || وَنَـنـْسى كـــوْنَـــــهــا أُمَّ الضّــيـاءِ؟
لـهـــا ذاتٌ تَســامَــتْ دونَ شَـــكٍّ || وتِـلــكَ الـــذّاتُ دائِـمَـــةُ العَـــطـاءِ
وتُـرْسِـلُ ضَوْءَها في كلّ صَـوْبٍ || وَتَــنْــشُــــرُهُ عـــــلى دانٍ وَنـــائي
وَهـــذا الـبـدْرُ مَخْــلـوقٌ صَغــيرٌ || بِغَــيـْرِ الشمــسِ يَـبْــقى في خَـفــاء
كَـذا كُــلُّ الكَــواكِـبِ يَحْـتَــويهـــا || ضِــياءُ الشـمسِ مِـنْ ألِــــفٍ لِـــياء
وقَــدْ تَـفْـنى الكَـواكِـبُ ذاتَ يــوْمٍ || يُحَـــوّلُهـــا الصِّـــدامُ إلـى هَــــبـاءِ
وَتَـبْـقى الشمـسُ سـيّـدَةَ الأَعــالي || وَمــانِحَــةَ السَّـــنى، ذاتَ السَّـــنـاء
*******
ليَ ابنٌ عِــشْتُ أُعْـطيهِ اهْـتِمامي || بَسَــطْــتُ لــه جَــناحـي كالـــرِّداء
لــهُ اسْـــمٌ مــــازَهُ وَلَـــهُ كَـــيـانٌ || نَـــراهُ بِـلا غُـــمـوضٍ أوْ عَـــمــاءِ
وَلـي اسْــمٌ قَــبْـلَـهُ لا شَــكَّ فـــيهِ || يُـمَــــيِّـزُني بِسَــبْـقـي وَارْتِـــقــائي
(أنـايَ) أنـا مُـخــالِــفَـــةٌ (أَنـــاهُ) || وهـــذا ابْــني وَيَشْـرَبُ مـنْ إِنــائي
وَأوْلادي عَـــنِ العُــشِّ اسْـتَـقـلّوا || وَبَـعْــثَـرَهُـــــمْ زَمـــانٌ لا يُــرائـي
فَـهَـلْ أَنا هُــمْ، كَـيانُهُـمُ كَــياني؟ || ألا أقْــــبِـحْ بِهـــذا مِـــنْ هُــــــراء!
بَـقـــيـتُ وَما تَـبَـعْــثَـرَ لي كَــيانٌ || وَهُـــمْ هَـجَـروا وَمـا ظَــلّـوا إِزائي
ولكِنْ لمْ يَغِــبْ عــنْهُمْ حُضوري || وَقدْ رَضَعــوا صِـفــاتِ الأوْفِـــيـاء
وَإِنّـــي لا أَزالُ أَبــاً رَحــيـــمـــاً || أُراقِـــبُـهُـمْ وَيَـرْعــاهُــمْ دُعــــــائي
وَتَـخْـضَـعُ لي رِقابهُــمُ جمـيـعـاً || خُــضـوعاً زانَـهُ صِـــدْقُ الــــوَلاءِ
*******
تَعـــالى اللـهُ عـــنْ كُـلِّ الــبَـرايا || هُـــوَ الخَــلّاقُ مــنْ طـيـنٍ وَمــــاء
ويَـخْـلُـقُــهُـمْ وقـدْ كـانوا خَــــيالاً || وَأَبْعَــدَ مِــنْ سَــرابٍ فــي خَــــلاء
وَلــكِـــنْ لا زَمــــانٌ أوْ مَــكــانٌ || يَحُـــدُّ مِـــنَ الإِرادَةِ والـقَــــضــــاء
هُــــنا صُــوَرٌ بِـلا عَــدَدٍ نَـراهـا || يُجَـــدِّدُهــا المَــدى دونَ انْـتِــهــــاء
تُـرَكِّــبُـهـا مَــشــيـئَـتُـهُ تَـعـــالـى || وُجـــوهـــاً زانَهــا حُـسْــنُ الــرُّواء
وَكَـمْ تَـفْـــنى وُجــوهٌ غــارِبــاتٌ || وَكَــمْ تَــأْتي وُجــــــوهٌ فـي بَـهــــاء
هُــنا الإِبْداعُ في أجْـلى المَـعـاني || هُــنا الإِعْـــجـــازُ فـي أسْــمى أَداء
هُــنا مَـلـِكُ المُـلـوكِ فَلا شُـكـوكٌ || سَـــتُـجْــدي ذا جِـــدالٍ أوْ مِـــــراء
إلــهٌ واحِـــــدٌ حَــــقٌّ قَــــديــــمٌ || بِــهِ هُــــوَ يَـبْـــتَـدي كُـلُّ ابْـتِـــــداء
تَـنَــزَّهَ عَــنْ شَــريكٍ أوْ شَـبـيـهٍ || مِــنَ الأَحْـــياءِ في دُنْـيـا الـفَـــــنـاء
******************************************************
استعادة الذات
اسْـكُـــني فـالفـــؤادُ بَــرُّ أَمـــــانِ || إنَّـهُ لـلأحْـــبـابِ خـــيْــرُ مَــكانِ
وَاسْرَحي وَامْـرَحي بِكلِّ هُـــدوءٍ || في رُبــوعٍ خَـلَـتْ مِــنَ السُّــكّانِ
أنْتِ مِـلْءُ المَـكانِ مِـلْءُ فُـــؤادي || وَإِهــابي، وَأنتِ فــوْقَ الـزَّمــان
طالَـما كُـنـْتِ في خَـيالِيَ طَــيْـفــاً || راوَدَ الـعَــيـْنَ عـابِراً غــيْرَ وانِ
وَمْـضَـةً أوْ شِـهـابَ نــورٍ تَـدَلّـى || لـمْ يَغِــبْ لَحْـظَـةً عَـنِ الأَذْهــانِ
أنْتِ حُـــلْــمٌ مُجَــنَّـحٌ ظَــلَّ حَـــيّاً || في فـؤادي، وَذِكْــرُهُ في لِســاني
طالَما قُـلـتُ أَقْـبِـلي وَاسْـمَعــيـني || أوْ فَــثـوبي إِلَيّ بَـعْـــضَ ثَـــوانِ
فَـأنا مُـحْـــتاجٌ إِلَـــيْـكِ وَأَهْــــفــو || باشْـتـِيـاقٍ إلى الـلِّـقــاءِ الْحـــاني
مُـنْذُ أنْ مَـسَّنا الفِــراقُ فَضِـعْـــنا || في زَمـانِ الشَّــقــاءِ وَالأَحْـــزانِ
في قِــفـــارٍ بِلا مَـعـــالِــمَ تَـبْــدو || فَــكِلانــا يَســيـرُ في كُــــثْـــبـانِ
حَــوْلِيَ النّـاسُ إِنَّما لَسْـتُ أَلْـــقى || في وُجـــوهٍ مَـــلامِــحَ الإنْــسان
بَلْ دُمىً أوْ وُحـوشُ غابٍ تَلاقَتْ || فهْيَ تَحْــيا بِالـظُّــلْـمِ وَالـعُــدْوانِ
*********
أَخَــذَتْــني سـودُ الـلَّـيالي بَعــيـداً || فَــأنــا تــائِــهٌ، وَحـــيـداً أَرانــي
لَسْتُ أدْري كيفَ افْـتقَـدْتُكِ يَوْماً || في زِحــامِ الأضْـدادِ وَالأقْــــرانِ
فَـفـقَـدْتُ السّبيلَ وَاخْـتَلَّ سَـيْري || وَأَنـا لي عَــيْـنانِ مَـفْــتـوحَــــتان
آهِ كـمْ في تَـأَوُّهــي مِـنْ دُمــوعٍ || صامِــتاتٍ سِــتارُهـا عُـــنْـفُـواني
غُـصَصٌ لَـوْ خَـنـقْـتُـها لـتَلاشَتْ || إنَّـما وَقْـعُـهـا يَـضــيـر جَــــناني
وَتَــراني مُــكابِـراً في عِــنـادي || وَكَــيـاني مُـضَـعْــضَعُ الـبُـنْــيـانِ
فَـأنـا مَــيّــتٌ وَإنْ كُــنْـتُ حَـــيّـاً || مــا حَــياةٌ تَغَــصُّ بِـالأَشْـجــانِ؟!
********
فَــلْـتَعـــودي إِلَيَّ أيَّـتُـــهــا الــــذاّتُ، فَــأَنْـتِ الّــتي سَــتُحْــيي كَـياني
وَلْـتَـعُـدْ بَهْــجَةُ الرّبيعِ لِـروحــي || فَـــأَنا ظــامِــئٌ لِـنَـيْــلِ الْأَمــانـي
وَأَرى العُــمْــرَ وَالزَّمانَ خَــيـالاً || رَقَـمـاً يَخْـلو مِنْ عَميقِ الْمَـعانـي
إنّـمـا نحْـــنُ مَـنْ نُـتَـرْجِـــمُ فــيهِ || ما تُـكِـنُّ النّــفـوسُ أوْ مـا نُعـانـي
أَقْــــبِـلي يـا ذاتِي إِلَـيَّ وَثــوبــي || وَامْنَحيني بَعْضَ الرِّضى وَالْأَمان
لا تَـقــولي أَراكَ قَـحْـمـاً كَـبـيراً || وَغَـــــداً أنْـتَ ذاهِــــبٌ أوْ فـــــانِ
فَـفُـــؤادي فَــتىً يَـظَــلُّ عَــفِــيـاً || بِـكِ دَوْمــــاً مُـحَـــصَّـنَ الأَرْكــان
فَـاسْـكُـبي نــورَكِ السَّمـاوِيَّ فيه || وَاسْـتَمِــرّي سَـخِــيَّـةَ الإِحْـســــانِ
ليـسَ يَـكْـبـو وَلا يَـشـيخُ وَفـــيـهِ || فَـيْـضُ نــورٍ يَشِــعُّ بـالإيــمـــــانِ
في صَقيعِ المَشيبِ يَلْـقـاكِ مأْوى || فــيهِ دِفْءٌ يَـقــيـهِ مِـنْ رَجَـــفـــان
لـيسَ إلّاكِ حــانِياً أوْ رَفــيـقـــــاً || في بـلادٍ لَـمْ تَدْرِ مَعْـــنى الحَــنـان
******************************************
على باب السّماء
على عَـتَـباتِ بَـيـتِـكَ جـئْـتُ أجْـثـو || رَجَـوتُ، فَـهـلْ يُخَــيَّـبُ لِي رَجـاء
أنــا واللهِ مـا اعْــتـدْتُ الـتّــرَجّـــي || ولا طَـــبْـعـي الــتّـذَلُّــلُ والــبُـكاءُ
ولــكـــنّي أتَـيــتُـــكَ بـعـــدَ يــــأْسٍ || ومِــنْ هَــمّي يَضـيـقُ بِيَ الفَــضاء
رَمـانِي الْخـوفُ والْجـوعُ ابْـتـلانِي || فــمـا الــباقِي لِيــكْـتَـمــلَ الـبَـــلاء؟!
جَـباناً عِـشْـتُ يَـنْـهَــشُـني عَــدوّي || بِـمِـخْــلــبِـه ويَـفـــعــلُ مــا يَـشـاء
ولَقّـــنَـني الْخُـضـوعَ كِــبارُ قـوْمي || رجــالٌ هُـــمْ عـــلـيَّ الأوْصِــيـاء
وكانَ عـليَّ أن أُبْـدي خُـــضوعـي || كأنَّ بِــذاكَ قـــد حَـــكــمَ القَــضــاء
عَــدوّي بـاتَ يَعــرِفُــني ضَعــيـفاً || ويعـــرفُ كـــيـفَ ربّـانِـي الـــوَلاء
ويعــرفُ كـيفَ يَقْـمَعُـني (إِمامي) || إذا مــا لاحَ فــي رأْيي اصْـطِــفــاء
عَــلــيَّ بـأنْ أُسَــــبِّــحَــهُ دوامــــاً || لِيُـقْــنِـعَـهُ سُــجــودي والــدُّعـــــاء
وأنّي أحْـفــظَ الكلِــمـاتِ حِــفْـــظــاً || لــكيْ أحْـــظى بِــأنّي بــبَّــغـــــــاء!
وأنّي لـسْـتُ مُــبْـتـدِعــــاً لِـقَــــوْلٍ || ولا نـقْــــدٍ ولا عِـــــنـدي مِــــراء
فَـيَـتـرُكَني أُفـتِّــشُ عــن رَغــيـفٍ || أطــــــارِدُهُ إذا بَـــزَغَ الـضّــيــاء
ولـكِــنّي رَغــــــيــفي مُسـْــتَـديــرٌ || فَــأُبْـصِــرُهُ يُـدَحْـــرجُـــهُ الْمَـســاء
رَغــيفي كالإِطارِ مَـضى حَـثـيـثـاً || فَــلا نَصَـبٌ يُـعــــيـقُ ولا عَـــــيـاء
ألا مِــنْ أيـنَ لــي جِــســمٌ قَـــويٌّ || وخَـــطــــوٌ ثـابِــتٌ فــيـه اسْـــتِـواء
فصَـيْدُ الْخُــبْزِ يُغْـريـني ِلأَجْـري || كَـمــا قــد أغْــرتِ الأُسْــدَ الظّــــباءُ
تَعـــبَّـدَنِي على رُغْــمي رَغـيفٌ || أنــا عَـــــبْــدٌ ولـيـــسَ لَـــه جَــــــداء
وكِــدْتُ أَمـوتُ مِـنْ كَــمَـدٍ وهَـــمٍّ || لأنّ الــيـــأسَ فــي الأضْـــلاعِ داءُ
ولكـــنّي لَمَـحْــتُ وَمــيـضَ نَجْــمٍ || عَــلى لُـجَـــجِ الظّــلامِ لــه سَــــناء
فَـطِــرْتُ إلـيــهِ مـلْـهــوفـاً لَـعــلّي || أرى نـوراً بـــه قـــد يُــسْــتَــضــاء
فــمـا أبْصَـرْتُ إلاّ فَــيْـضَ نـــورٍ || بــهِ قــطَـــراتُ مــــــاءٍ أوْ دِمـــــاء
تَـخَـضَّـبـتِ النُّجـومُ فـقـلتُ: ماذا؟ || فـقــالتْ: نَحــنُ في عُـــرْسٍ نِســـاء
فقـلـتُ: ومَــنْ عـريسُ الْـمَـجــدِ هـذا الـذي خَـفّــتْ لِـمَــقْــدَمِـهِ السَّــمـاء؟!
فـقالتْ: كـيفَ تسألُ عـن حَـبـيـبٍ || عـلى الأرْضـيـنَ لـيْـسَ لــه كِـفـاء؟
شَـهــيدٌ جــاءَ يَحْــمِـلــهُ جَــنــاحٌ || مِـــنَ الأنْــوارِ يَسْــبِـقُــهُ احْــــتِـفـــاء
ونَحــنُ لهُ عـرائِـسُ ســـاهِـــراتٌ || لــهُ فـــيـنـا انْـتِــســابٌ وانْـتِـمـــــاء
وأمّـا أنـتَ فَـارْجِــعْ عَــنْ سَــمـانا || فَـمـــثْـلُـــكَ لـيسَ يُـمْــكِـــنُهُ ارتِـقــاء.
فـعُـدْتُ أزورُ بـيْـتـكَ مــن جَــديدٍ || لـعـــــلَّ بـــه يـكـــونُ لِــيَ الــــدَّواء
فَـيُــشْفي الـنّـفــسَ مِـنْ يـأْسٍ وجُـبْــنٍ وشَــــكٍّ عــاشَـهُ قـــلــبٌ هَــــــواء
فـقُـلْ لِي كـيْـفَ تَـقـتَـحِـمُ الْمَـنـايـا || وهَــلْ فـيها لِـمَـنْ صَـدِيَ ارْتِـــــواء؟
سَمعْتُ جوابَ روحِكَ في الأَعالِي|| نعـــمْ! فـيـهـا عَــنِ الــدُّنْـيـا غَــــنـاء
كَـفــاكَ بِـأنْ تُـغـــادِرَها عَــزيـزاً || إِلى دارٍ يَــــدومُ بِـهـــــا الـبَــقـــــــاء.
**************************************************
عســلٌ وخَــلٌّ
ما زِلْتُ أمْزِجُ بينَ الخَـــلِّ وَالعَــسَلِ || ولسْتُ أعْلمُ ما في المَزْجِ مِن خَطَلِ
وكانَ أهْلي على هذا الطريقِ مَضَوْا || فـكـيْفَ لا أقْـتَـفــيهـا سُـنَّةَ الأَهِــــلِ
وكانَ لي والِـــدٌ بِالشَّـهْــدِ مُـفْــتَــتِـنٌ || كـعـاشِقٍ بِحَـبـيـبِ العُـمْرِ مُـنْـفَـعِـلِ
حَــلاوَةُ الشَّهْـدِ تُغْــريهِ فَـيَــشْـرَبُــهُ || وَمـا ارْتَـوى مَـرَّةً مِنْ بارِدِ القُـلَـــلِ
وَكُلَّـمــا عَــبَّ مِـنْهُ جــاءَهُ ظَـمَــــأٌ || أَشَـدُّ مِـمّا مَضى، أدْعى إلى العَـلَــلِ
فَـيَـقْـتَـفي أَثـرَ النّحْـلاتِ يَرْصُـدُهـا || لَعَـلُّـه يَجْـتَـني مِنْ شَهـْـدِهـا الخَـضِل
لـمْ يَخْـشَ مِـنْ إبَـرٍ بِالسُّـمِّ تَحْـقِــنُهُ || ولـمْ يُحِـسَّ مِـنَ الـنَّحْـلاتِ بِالْــوَجَــل
وَكان تـفـكـيرُهُ بِالشَّهْـدِ مُـنْـشَغِــلاً || وَكانَ في الـبـيدِ يَمْشي دونَـمــا كَـلَــل
مَـيْـدانُهُ كُلُّ أرْضِ اللهِ يَذْرَعُــــهـا || وَلمْ يُـعِــقْـهُ مَسـيرُ الـوَهْــدِ وَالجَــبَـل
إنْ جَـنَّ لَـيْـلٌ عَـلـيهِ قالَ في ثِقَـةٍ: || سَــيَطْلُعُ البَدرُ لي في أَجْـمَلِ الحُلَـل
تَراهُ يـبْـحَــثُ دَوْماً عنْ مَواطِنِهـا || وَفِـكْــرُهُ طـافَ بيـنَ اليَـأْسِ وَالأمَــل
وهكـذا الشَّهدُ يُغْـري قَـلبَ ذائِقـِـهِ || ورُبَّمــا صَــدَّه عَــنْ أمْــرِهِ الـجَــلَــل
********
فَــيا لَهُ هـائِماً لمْ يَشْكُ منْ تَعَــبٍ || وَيا لَــهَ عـاشقــاً كـمْ دامَ في شُــغُـــل
ويا لَـهُ صابراً كالصَّقـرِ نظْــرَتُه || وَما اشتكى ألَـماً أوْ خـافَ مِـنْ أَجَـــل
وَيَلْعَـقُ الصَّبْرَ، وَالصّابُ مَـأكَلُـهُ || وَالخَــلُّ في فَــمِـــهِ لا لَــــذَّةُ الْـعَـسَل
وكانَ يَمْـضُـغُـها كالناّرِ يَحْـرِقُهـا || وَكُـلُّـهــا عِــنـْدَهُ مِــنْ ســائِـغِ الأُكُــلِ
سَألـتُهُ: يا أبي كيـفَ السّبـيلُ إلى || عَـيـْشٍ بِلا أَلَـمٍ يَـمْـضي عَــلى مَهَــلِ؟
فقالَ لي: يا بُنَيَّ اسْألْ كَذي حِوَجٍ || وَلا تكُــنْ ساعِــياً لـلـشَّكِّ والـجَـــدَلِ
إِنَّ الحَــياةَ عَــلى ضِـدَّيْنِ قـائِمَـةٌ || شَـهْــدٌ وَخَـــلٌّ مَعــاً دامــا بلا خَـلَــلِ
وَالسُّـمُّ باقٍ مَعَ الـتَّرْياقِ في غُـدَدِ الْأَفْـعى، وَلا تَشْـتَـكي مِنْ لَــوْثَةِ الخَـبَـلِ
وَرُبَّ مَـنْـفَـــعَـةٍ في الـنّارِ كامِـنَـةٌ || فَـالْـكَيُّ يَذْهَبُ بِالأَمْـراضِ وَالْعِـلَــل
وَكـانَ يَرْسُـمُ لي دَرْبي بِـحِـكْـمَـتِهِ || وَصِـيَّةً صُنْـتُـهـا بِالقَـلــبِ وَالمُـقَــلِ
وَالعُـمرُ يُفْـضي بهِ حَتْماً إلى أَجَـلٍ || كَـكُلِّ حَـيٍّ عَـنِ الأحْـبابِ مُـرْتَحِـلِ
********
قَضى أبي حالِماً بِالشَّهْـدِ، مُبْـتسِماً || تَـفــاؤُلاً بِـلِـقــــاءٍ قــادِمٍ عَــجِـــــلِ
قَـضى وَأَوْرَثَـني مـا كانَ يَحْـمِـلُــهُ || وَيا لَهُ مَحْـمَـلاً، يا لي مِـنَ الـثِّقَــلِ!
وفي وَصِـيَّـتِـهِ مَحْـصولُ حِـكْـمَـتِهِ || إِذْ قـالَ لي بِكـلامٍ غَــيْـرِ مُـرْتَـجَــلِ:
هَـذي الحَـياةُ فَعِشْ لا تَـشْكُ مِنْ أَلَمٍ || فَـإِنَّـهُ مِـلْحُــهـا مِنْ ســالِــفِ الأزَلِ
وَدَعْ أُناساً هـم الغــرْبانِ مـا نَعَقوا || إِلا بِشُـؤْمٍ يًســوقُ الْـمَـرْءَ لِـلْــفَـشَـلِ
وَاعْـمَـلْ وَلا تَـتَـذَمَّـرْ دونَمــا كَـلَـلٍ || فَـالْمَـرْءُ لـيْـسَ بِإنْــسانٍ بِلا عَـمَـــلِ
واعْـلَمْ بِأَنَّكَ ضَيْفٌ لا شَكَّ مُرْتـحِلٌ || ماضٍ مَعَ الرَّكْبِ، مَعْ أَجْدادِنا الْأُوَلِ
فَعِـشْ بِها مازِجـاً خَــلّاً مَعَ العَـسَلِ || وَلا تَقُلْ كيْفَ هذا المَزْجُ يَصْلُـحُ لي
فَالعَيْـشُ لـيْسَ لـهُ معْـنىً بِدونِـهِـمـا || كَـقِـصَّةٍ مُحْـتَـواهـا غَـيْـرُ مُكْـتَـمِــل
بِذا قَـضَـتْ حِـكْـمَـةُ اللهِ وَقُــدْرَتُـهُ || وَهَــيَّأَتْ لِـقَـضــاهــا سـائِرَ السُّـــبُـلِ
وَهَــذِهِ هِـيَ دُنْيــانـا وَفِــطْــرَتُـــنـا || وَلا يُكـابِـرُ فـيهـا غَــيْـرُ ذي حَـــوَلِ
ولَنْ يُـغَــيِّرَهــا مَـنْ كانَ يُـنْكِـرُهـا || ولنْ تُـؤَثِّـرَ فــيهـا أمْـهَــــرُ الحِـــيَـلِ
الشاعر حسن منصور

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق