نصوص شعرية
القصيدة / ٥٠٠
تأتي الإحاسيسُ أسرعَ من البرق
وتختفي كالركضِ وراءَ السّحاب
بينما تجمعَ الضبابُ بكفِّ مطرٍ لا يعجبه أن ينهمر ،
تغدو المشاعرُ متدفقةً من نافورةٍ
تارةً تخترقُ سيولها الصخور
وتارةً تنثرُ رذاذها حول الرمال
كي تخمدَ فيها حرارةُ الرماد ، فالجذوةُ بيد القدر .
ما خلّفت لي كلّ هذا
إلا ريشةٌ ارسمُ بها
على صفيحٍ من هواء ، لأقنعَ النّجومَ على السهر .
مذ ولادتي كنتُ أحبّ قصصَ الخرافة
أفتحُ فمي لأبلعَ شفرةَ الخرافة
أشتهي كلّ طعامٍ فيه ملح الخرافة
استمتعُ بطولِ الخرافةِ
لإنّ حبّكِ باتَ خرافة
عليّ أن ألزمَ عدةَ الخرافة
وأبدأ بالتسطير
والتنظير والتفسير والتأويل
لشمولِ كتاباتي كلّها بالسحرِ ووشوشةِ القمر ....
هي … وأنتِ ربما لا يصدقني أحد
عندما نفدَ المداد
أملأ قلبي بالخرافةِ ثم أعاودُ الكتابةَ
على أخاديد الكهوفِ بمخالبِ الأوهام ،
أنتِ القصيدةُ التي لم أكتبها بعد
أنتِ وجعُ الخواصر يستقبلُ وهنَ العمر
وحشرجةَ غصةٍ في الصدرِ لن تستقر ،
عكازتي أخذتْ مني استقامي
أمسيات تجري خلفَ وسادتي
كالحلمِ التافهِ يحملُ قصةً لا يحفظها
إلا القابعون في الجنون ،
لم تطأ قدماي
إلا على ظلّالكِ كنوحٍ حينما أنقذَ البشر
كنتُ أحسنُ صنعَ وطنٍ مثقوب
من جهةِ الشمال
لأطلقَ لفؤادي الحرية
كما وعدته على غرسِ اللهفة
في حرثِ وجودكِ …
الناعورُ أنتِ والسواقي الدهر ،
لا تعجلي الاختباءَ وراءَ الفجر
همسةٌ واحدةٌ تكفي
يزيد منها لإطالة المكوث
استنشقُ منها قوتي
لا تبخلي بالزفير
هي أنفاسٌ أجمعها
رصيداً يغطي فاقتي
كلّما يخنقني العوز
اليوم أكملتُ عمري
ورضيتُ بكِ ملاذاً وبديلاً عن سقوفِ الخرافة
لقد امتحنَ اللهُ صبري في هيامي ورزانتي.
......................
وغلقي الأبواب
شيّدي من جسمي فردوسا
ثمّ غلّقي الأبوابَ واكتبي ممنوعَ الدخول
رتّبي سنينَ العمر
على مزاجِ عطرِ البرتقال
وغنّي بأعلى فيروز في صباحاتٍ يخلو منها الندى
علّقي على أهدابِ الحاضرِ كلّ صورِ الماضي
واتركي الغد يغيب
قد لا نرى مثلَ ماضينا
كنا ندوس الطينَ معاً كي يستقيم
تلك السنابلُ ناخت رؤوسها
اينعت المناجلُ في أيادي الحصاد
صدّقي لقد مرّت الدنيا بجواري
لم أمسك بأطرافها … لا هي هزّتْ لي الخواصر
أصبحتْ كهشيمٍ تحتَ الجراد
لا طعم للذي صارَ اليوم ضبابا
ولا ذكر للذي يسير
على طريقِ الغياب .
نادي على الموتِ
هيا تعال معنا وعشْ مثلَ حالنا
وقولي له انزعْ جناحيكَ وغادر المهام
هذا هو العشقُ أَلَنّا له الحروف
نحن غدونا سعداء
طالما أنا الحرثُ … وهو الظلُّ والهواء
أنا الشموعُ … وهو الدموعُ يوم سالت من ضياء .
ارسمي على جبيني شعلةً تشبه الشعار
يستدل بها العاشقونَ عندما يسلكون دربَ الغرام .
يا أنتِ … يا تفاصيلَ الهيام
يشكّلُ النبضُ سلسلةً تنشرُ بها بريقَ الرقاب
ما ضر لو كنا خارجَ النطاق
نلعب ونلهو فوق الفراغ
نتعب ونستلقي على الماء
كلّ مكانٍ لنا مباح …
هذه غرفتي المحنّطة بالأشباح
أدورُ من نفسي إلى نفسي
أجدني قاحلاً تذروني الرياح .
............................
سجل مغلق
ذكريات قد تحتفي بالموت
أو طريقها إلى منصةِ التتويج ،
عريفُ الحفلِ يقرأ الأسماءَ
اسمها غير مشمول بالتعريف
من بين الحضورِ قلتُ لها
هل سمعتِ وقرأتِ
شعراءً يودعون ذكرياتهم
لأنّها تحتضر أو أصابها الذبول ..
أبداً … لا اتوقع أنّ الذكريات تنتحر
أو ينحرها سهمٌ من الذهنِ إلى الذهن
قد يولدُ النسيانُ صورا شائعةً بالخذلان
لذا يكون الإنسانُ بلا عنوان … لا طعم ولا رائحة
انتبهي لخطواتكِ وأنتِ تتسلقين
سلّمَ الارتقاءِ على حسابِ كهولتي وأيام التقوس ،
كيف الهواءُ يطحنُ القمحَ
برحى من طنين
كيف تعكسُ الصورةُ ذاتها
من سطوحِ المرايا السود
كيف يبحثُ العتّال في الركامِ عن برودةِ اللّيل ..
عدة أسئلةٍ يطرحها الامتحان
لا يترك للجوابِ مجالاً
غير الدليل واضح
كلّما برّرَ الذنب بعددِ القضمات
من التفاحِ باسنانِ الاقتراف
يحتضرُ اللسانُ أولا …
يتصلبُ بوجهِ الحروف …
يعاني من اللثغِ
أثناءَ المناداة
صدقيني أنّ القلبَ أحسنَ البناء
من موادٍ صلبة … متعددة الجوانب
لا يخترقها دبوس أو مسمار
المشكلة في الأثرِ الذي رسمتهِ
على الجدرانِ
من الداخلِ أو من الخارج
حتى المحيط
تكاثرَ الخدشُ فيه من عالقاتِ اللقاء
وانزواءِ الهمسات
تتكدسُ الحوادثُ وتنقشُ
من الجريانِ نتوءاتٍ
تشبهُ خريطةَ الوطن
على صدرِ محاربٍ مقتولٍ بلا معركة
ينهي النّهرُ حياته حينما يسلبونَ ضفافه
لكي لا يبقى ضئيلاً تحتَ أصغرَ قدمٍ
هكذا العمر
لا يستمر أبداً إن لن يقدم له فطوراً
من أطباقِ الحوادثِ والصور
ويتناولُ في غدائهِ عصائرَ الحنين
وشطائرَ الأنينِ مشبعة بملحِ الصبر
ركيزةُ أعمالي ومحورُ أشعاري أنتِ وما ببالي
تعرفينَ هوايتي التدخين
بلفافةِ الشغف ، هويتي
أنا المنتسب إلى الحمإ المسنون
إذاً سيبقى السجلُ بيد الأمين ..
الشاعر عبدالزهرة خالد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق