الاثنين، 26 أغسطس 2019

نصوص ادبية شعرية: الشاعرة جميلة بلطي عطوي: مجلة اقلام بلا حدود: منتدى اصدقاء اقلام بلا حدود:©حقوق النشر والتوثيق محفوظة © 2019



نصوص ادبية شعرية




الغابة ترتق بقايا حياة

سيزيف والصّخرة وأنا ألملم شتات فكر متناثر على قارعة التّأمّل . كما الغابة في ذهني تنتشر الأفكار أشجارا تتوق إلى إطلالة فصل سخيّ تنفحها دفقا من العزم لتلتحق بشواهق الأغصان.هنا السّنديانة تتضوّر ، تتكوّر ، تنكفئ على ذاتها ، تنفض بقايا رماد عالق بأعرافها، تتنفّس عميقا وإن كاد الدّخان المتراكم على شعورها يحول بينها ويبن استرجاع سلامة هاربة . لحظة فلحظة تستجمع القوّة المتهالكة ثمّ ترضع من حلم الغاب ما تخفّف به هول الصّدى . من فروعها المتهدّلة تطلّ زهيرات خجولة ، تستعدّ للصّرخة الأولى معلنة لحظة حضور منتظر . الزّهيرات كما صوتي يتردّد في الحنجرة يغريه الشّهيق، يتنفّس ، يسرح في أمنية الوصول.
سيزيف يجهد  والغابة ترتق بقايا حياة أفلتت من المحرقة ، زان ، سنديان وبلّوط ، الكلّ يربكه الحصار ويشتهي إطلالة غيمة هادرة . هنا أشدّ خطاي في درب الرّحلة العصيّة والظّمأ يسدّ كلّ المنافذ. ظمأ يعتصر كبد الأرض ، يحاصر الحياة ويسرقها من الكائنات . يحاصرني فتشّقّق أوردتي كما الأرض يأكل الجدب رواءها. عمق الأخاديد وأنا أتلمّظ الرّيق ملحا ، عصارة شوق للغيّاب تأكل نسغ الكيان .عصارة تتدفّق دون هوادة والخطى لا تني وقد أدمنت الرّكض في الأرض الكالحة.
 سيزيف ، الغابة وأنا وخلطة الخلق الأولى : قدر مقدور أن نصارع البرايا والأهوال ، أن ندوس الشّوك في أخاديد التّرحال . سيزيف رقعتك مثيرة وشمسك منيرة لكنّ السّعي يتأرجح بين الجهد والمآل.
 الجهد وكلّ يمدّ فروعه ، يزرع الجينات في زوايا الأرض ، يبثّها في خفايا الزّمن ، ينمّقها بألوان أبديّة لا تضمحلّ . يرسم رحلة النّحن الجمع الواحد ، رحلة الكيان . سيزيف ، الغابة وأنا معركة تمتدّ جذورها في السّنين ، تردّد مغامرات الجوّالين والرّحّالة ، غوص في كبد الأرض ، في رحم الحياة . سندباد لا تحدّه الحدود ولا ترهبه ألأمثال والبحث عن مطلع هدف ، عن نقطة زمنيّة فارقة، عن نجم تاه في عمق المجرّة فبات طريد الشّمس والدّجى لكنّه يستميت. ابن المجرّة هو ولا بدّ له أن يعيش ، أن يثبت قدرته على التحدّي ، على أن يكون شهابا يتقن التصويب ، يطرد من دنيا الورى الضعف ويزرع البسمة في أرض النحيب.

.................................

المشهد

هل أتاك حديث الدّيار تذرف دمعها ، تنعى مشاهدها الجميلة ، تستحضر باحاتها العامرة رغم قلّة اليد أحيانا لكن الهدوء يعمّ رابية وخميلة . تلك المشاهد تنضح طيبا تنثره الصّبا فترفرف على العتبات الآمنة كما الورق ، أمّا اليوم فتقف مشدوهة أمام خريف عابس يدحر منها لون الجمال ، يحوّلها حلبة للصّراع ، " لسرّاق اللّيل ولصوص النّهار" يلقمونها الإقك جزافا وما نفق.
 في السّاحات تتلكّأ الخطى المبتورة ، تشدّ الهمّة لكسر المدى فترتطم في زمن يتعثّر على نقر الأوتار المشبوهة ، يتهدّج صوته ، ترتجف كلماته في عمق الهزيع الأخير من حشرجة الوقت ولا علامة تهدي إلى سواء السّبيل، لا حادي يحثّ العيس لبلوغ الغايات.
كلّ ما في المكان ضجيج  يثقب أذن الصّمت ، يحرمه من استراحة ، يشوّش هجعة الفكر التّائه في خفايا معركة عجيبة .على مرمى الأهواء تتردّد تغريدات مستهلكة لا نصيب لها من الصّدق ولا قيمة لها في فنّ الأهازيج. مجرّد أبواق تتعالى ، تصمّ سمع الكون فتنكفئ الشّمس على أعقابها . لا شيء هنا يبشّر بانقضاء ليل يحيل على طلوع فجر.
هنا تتشابك الكواكب فلا شمس تبزغ ،لا قمر يسمر ولا نجوم  تصبّ الشّهب لملاحقة شياطين اللّيل والنّهار. الزّمن في هذه السّاحات يعيش قفزة خياليّة ، يخترق المحطّات ، من كلّ فترة ينتزع قطعة من سدى منهك ، يجمّعها في نول فقد الصّلاحيّة منذ باع الصّبر جهده للرّيح. نول رُكن فما عاد قادرا على النّسيج وإن فعل يكون النتاج ثوبا رثّا مشوّها تفنّن السّوس في تصميم ثقبه المتناثرة . ثقب غالبا ما تجد فيها الخفافيش معبرا لبناء أعشاشها المقلوبة.
 في هذه السّاحات باتت الفوضى عنوان الذّكاء ، أمّا الذّكاء فيتجلّى في قدرة المموّهين على ركوب الحمير رافعين شعار فروسيّة واهمة . بالمختصر المفيد المشهد يغري فيدفعك إلى ملاحقة التّفاصيل ظنّا منك أنّ الغاية شريفة لكنّ الأوراق المتناثرة على الطّريق تربك عقلك . تحيّر عينك وهي ترى أوراق التّوت تتساقط تباعا. عري تكتشف فيه البشاعة فتنتابك خيبة وأنت تعيش الكارثة بكلّ ألوانها . يرتجف قلبك والتّرّهات تتكوّر أمامك ثمّ ترتمي كُورا في ساحة لا يحسن لا عبوها غير أساليب الخداع والكذب ، كذب على الأحياء كما على الأموات والأرض يمزّقها الغيظ حدّ الانفجار.
 كلّما تقدّمت يشتدّ بك الدّوار وأيقنت أنّك تغرق في مستنقع آسن فُقدت فيه كلّ علامات الإنسانيّة ولم يبق غير نبض شارد يهتزّ بين الفينة والأخرى ، يعيش غربة أليمة ويأكله اليأس حدّ القنوط فيرتجي عاصفة ، ريحا صرصرا ترفع عنه كثبان البهتان ، آملا أن تقود نحوه غيمة يتيمة تشفق عليه ، تربّت على وحدته وتسقيه رشفة تحيي فيه أمل النّجاة . أمنية تترنّح تحت كلكل انتظار مميت أو لعلّها صحوة شاردة ترفع الضّيم وتعيد حلمه التّائه . حلم بمشهد بهيج يتصدّر فيه العقل الرّيادة وتدقّ حوله طبول الانتصار.

.....................

عشتار

سحابٌ بلون الخير
يُغازلُ أفقنا...
لهُ تدقُّ الرّعود 
طبُول الفرح...
في ظلّه الأرض جذْلى...
تُنَفِّضُ نَقْعَها ...
عبر السّواقي تمدّ الوريد ...
ترمي بعمق الوِهاد
خوفا بَرح ...
تُطبِّبُ كلّ الأخاديد ...
تستوي عشتار...
ولّادة الأزمان...
في ثوب عرسها تتجلّى...
مع نقرات الغيث تميسُ
ويحلو المرح...
طوبى لنا بالهطْل 
يُعمّدُ كوننا...
بعزفه يُحيي النفوس
فتنشرح.

الشاعرة جميلة بلطي عطوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق