جفون اللّيل
أيّها اللّيل العميق! فيما أنت ماضٍ في ظلامك الدّامس، ليتك ترأف بأصحاب الجفون
السّاهرة! ليتك تجرّ معك صدى أوجاعهم، أحلامهم العقيمة، آهاتهم، أوهامهم، وهمومهم.
لا جرم أنّ كلّ باب من أبواب السّماوات إلاّ وله حضرة وحُرّاس يقفون كملائكة شديدة
البأس على عتبته. ووحدهم الشّجعان من يطرقون تلك الأبواب دون خوفٍ أو تردّدٍ حتّى
تُفتح لهم على مصاريعها. طارق يا ابن الأرض! اِحمل معك أوزارك وضَعْهَا جانبًا،
وقِفْ مرفوع الرّأس، واطرق أنّى شئت من أبواب الخير بمنتهى اليقين، فأنت بين يدي
إله
رحمان رحيم! " رحم الله جدّي، لقد حفظت كلماته تلك عن ظهر قلب. أفشى طارق كلّ
ما في صدره من روحانيّات لها، ثم راح يتمشّى بين الشّجيرات ويمرّر يده على أوراقها
الكثيفة حينًا ويقطف بعض ثمرات التّوت ويلتهمها مثلما يلتهم البائس أوّل قطعة من
رغيف خبز حينًا آخر. وكانت زوجته زينب تجلس القرفصاء تحت ضوء القمر، تشربُ
الشّاي المُحلّى بنكهة نبات النّعناع وتُصغي إلى دُررِ زوجها اِصغاءً جميلاً. وحين أمست
النّجوم مُجرّد حبّات لؤلؤ تُزّين ثوب السّماء، وأطلق الدّيك صياحه المُبشّر بحلول يومٍ
حديثٍ من أيّام الحياة الدّنيا، أقبل العُمّال من كلّ حدبٍ وصوبٍ، حاملين معهم سواعدهم
الصّامدة، وابتساماتهم الصّباحيّة المُشرقة. وانتشروا في الأرض دونما تذمّر، ساكبين
عرق جبينهم في خدمة الفلاحة وأنفسهم. كانوا يتراءَوْن حازمين في عملهم بالرّغم من
ظروف العمل البغيضة. وأكثر ما يشدّ النّظر إليهم، عشقهم للتّربة. كأنّهم بذلك يوطّدون
علاقتهم بالأمّ الّتي ستحتضنهم بعد الموت! إنّ الّذي يبعث السّكينة في الرّوح، أن ينفق
المرء عمره الطّينيّ بمحاذاة الطّين، ذاته، المخلوق من صلبه. وأن يُمسكه بكلتا اليدين
حين الوجع، وأن يُقلّبه بمنتهى الحُبّ حين الفرح. فجأة، توافدت السّحب الدّاكنة عليهم
واستوت على السّماء، وهطل المطر بعدها مدرارًا يُرافقه صوت الرّعد المُرعب وضوء
البرق الخاطف. وانقلب الطّقس من حال صافٍ إلى آخر مُغيّم. وكان العمّال يركضون
إلى أمكنة مختلفة تقِيهم شرّ المياه الفائضة على رؤوسهم المنهكة وأجسادهم النّحيفة.
وكان
طارق يشقّ الزّرع مُفتّشًا عن زينب الّتي اِختفت بين لحظة وثوانيها وكأنّها قد اِمتزجت
بذرّات الماء أو كأنّ صورتها قد اِمّحت من على الأرض واندثرت بين أطياف الضّباب.
وانقبض قلبُ طارق، وشخصت عيناه ذُعرًا، وكلّ ملامح الهلع والجزع قد طرأت عليه
بوضوح تامٍّ. وبينما كان الزّوج يستميت في البحث عن زوجته، إذْ بطفل صغيرٍ يتمايل
أمامه مُتشبّثًا بغُصن شجرة هزيلٍ، يكاد السّيل يجرفه إلى ما لا يُحمد عقباه، ولا أحد في
مقدوره أن يُميّز إن كانت الدّموع الّتي تترقرق من عينيه هي دموع الخوف أم المطر.
فأسرع إليه من دون تفكير، وجذبه بقوّة من ملابسه البالية المبلّلة، وضمّه إلى صدره
بمنتهى الشّجاعة. لقد كانت عاطفة الأبوّة هي الّتي تتحرّك بدلاً منه، بل ضميره
الإنسانيّ.
فارتعد الولد بين يدي طارق، واختلجت تلك المُضغة الرّهيبة الّتي تضخّ الدّم في شرايينه
على نحو موصول. ولمّا شعر المسكين بزوال الخطر، ركن إلى حُضن الرّجل وتشبّث
بقميصه وبدأت تشنّجاته العضليّة ترتخي شيئًا بعد شيءٍ حتّى غلبه نُعاس الأمان
والطّمأنينة، وغاب عن الوعي. لقد وجد الرّجل نفسه في مأزقٍ مجهول الخاتمة؛ غضب
الطّبيعة من جهة، وضياع زوجته من جهة أخرى، وذلك البريء النّاجي من الموت الّذي
ينام نوم القّطة على كتفه. إبّان ذلك، جعلت بوصلة أفكاره تطرح عليه نفس السّؤال: "
إلى
أين يتّجه قدرك، يا طارق! نحو الظّلمة أم نحو النّور؟! إنّ عظمة الإنسان تتمثّل في عدم
إنكاره جدليّة الكون وقانون التّضاد الّذي جُبلت عليه الحياة كلّها. ومهما أحسن المرء، لا
مفرّ من الامتحانات. فالمعادن اللاّمعة تحتاج إلى صقل وتهذيب حتّى يُطلق منها ذلك
البرق البرّاق ويُومض على شاكلة تُبهر الأبصار. وفي المقابل، بينما كان طارق يساعد
ذلك الصّبي وينتشله من مخلب الهلاك، كان أحد العُمّال يُخرج زينب من حفرة عميقة قد
سقطت فيها على حين غفلة في غضون الفيضان. إنّ نفس ذلك الزّوج كانت صالحة
ملآنة
بشتّى نجوم الخير. وعقله كان يُشبه السّراج شيئًا، فكأنّ قمر الأرض يُغذِّيه بأنواره
السّاطعة. وإنّ العمى الحقيقيّ هو ذلك الّذي يلتصق بالقلوب البشريّة. فيفطرها إلى
نصفين؛ نصف كأنّه حِصن من الحصون يمنع تسرّب الشّمس إليه، ونصف آخر كأنّه
بؤرة ظلام تحجب رؤية الحقيقة. والغريب في الأمر، أنّه ما إن أُلقي في روع طارق تلك
الكلمات الرّاشحة بالرّفعة والحكمة" ساعد نفسك بمساعدة غيرك! " حتّى سكنت الطّبيعة
دُفعة واحدة، وظهرت زوجته زينب جالسة مرّةً أخرى تحت جذع شجرة مُعمّرة يتّخذون
منها ملاذًا للرّاحة من حين إلى آخر وكيفما اتّفق لهم ذلك. لقد أحسّ بتجليّات العناية
الإلهيّة واستوعب رسالتها إليه. فلا مأمن من الشّر إلاّ بمبادرة فعل الخير. وثمّة، يبرز
الامتياز بين النّاس. ومضى طارق نحو زينب، وجعل يتأمّل تفاصيل وجهها الرّقيقة
مثلما
يُحملق الرّضيع في مُحيّا أمّه بالضّبط. لقد منحه القدر مُتعة إطالة النّظر في تلكما العينين
الممتلئتين بالجمال والجاذبيّة كرّة أخرى.
نسرين ولها

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق