صباح القتل
يغلق الباب خلفه ، يدلف إلى الشّارع المعتم ، تصفعهُ حبّات المطر
، تخترقُ صدره
سهام الرّياح ، يزرّ سترتهِ ، لا وقتَ لديهِ ليحضر المظلّة ،
تتضاعفُ نقمته على امرأتهِ،
يسارعُ الخطا محاولاً الاحتماءَ بالشّرفاتِ ، الشّارعُ طويلٌ ،
وعليهِ أن يسرعَ ، يهرولَ ، يغوصَ في المستنقعاتِ ...
لا يعبأ بالوحّل .
- (( لن أسامحك يا يا "فاطمة " ...
لا تهتمينَ بإيقاظي رغم وجود المنبّه )) .
لهاثهُ وانفعاله يحدّانِ من قسوةِ البردِ ،
لكنّ المطرَ الشّرسَ منهمكٌ بإغراقهِ :
- (( سيذبحني الجّوع .. ولم تحضّر لي الزّوادة )) .
تتغلغل حبّات المطر إلى يباسِ عمرهِ ،
تنسابُ كأفعى تلدغهُ بوحشيّةٍ :
- (( مطمئنة ... تعودينَ إلى نومكِ ، حيثُ لا
أضايقكِ برغبتي الّتي تتذمّرينَ منها )) .
يجتازُ الأبنية ، لهاثهُ يشتدّ ، بضراوةٍ يدقّ قلبه ، يباغتهُ السّعال ،
يبصقُ ، ينمو بداخلهِ حقدٍ على السّائقِ الذي يأبى دخول الشّارع .
في مكانهِ المعهود يتوقّف ، بانتظارِ الحافلةِ ، نفسه تطمئن ،
لا بأس ، بإمكانه التقاط أنفاسه ، يداهمه السّعال :
- (( تعرفينَ نذالةَ السّائق .. لا ينتظر العمّال دقيقة واحدة )) .
يتلفّتُ ، مثانتهُ تنذر بالإنفجارِ ، والطّريق
إلى المشروعِ وعرٍ وطويلٍ :
- (( لمَ تتمنّعينَ يا"فاطمة" ماحيلتي ؟! .)) .
ينظر في ساعته ، تأخر السّائق ، لا أحد يحاسبه ،
شكاوى عديدة قدّمت بحقه ، والمدير يقبل أعذاره ..
هكذا حال المسنود :
- (( أنا مثلكِ تألّمت يا " فاطمة " .. الحرمان
دفع أبننا إلى سرقةِ البرتقالة )) .
الشّمس ترفل بقيودها خلفَ الغيوم الدّاكنة ، يتناهى إلى أذنيهِ
المتجمّدتينِ هدير سيّارة ، يشقُّ أجفان الصّباح ، يحملقُ بقوّةٍ ،
الأضواء تمنع عنه الرؤية ، تتّجه نحو
ارتعاشهِ بجنونٍ ورعونةٍ .. يتراجعُ ، تقفزُ خلاياه ،
صرخاتُ الذّعر تتفجّرُ في حدقتيهِ ،
تهاجمُ السّيارة المتوحّشة الرّصيف بشراسةٍ ،
تصعد نحوه بحقدٍ ، تطالهُ بصدمةٍ مميتة ، لا
تسمحَ له بالانتفاض .
يترجّل الفتى ، يرمقُ الجّثة بحنقٍ ، يبصقُ عليها باحتقارٍ ،
يركلها بحذائهِ اللامع ،
ثمّ يطلقُ لساقيهِ عنان الإبتعاد ،
محتمياً بمكانةِ أبيهِ السّاطعة أكثر
من سطوعِ شمس هذا الصّباح .
مصطفى الحاج حسين .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق